محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1014

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

- عليه السلام - حكيم الأنبياء ، إذ قال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ . وفي التوراة أن اللّه تعالى آتى داود وسليمان الحكمة ؛ وفي القرآن فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فقيل : الكتاب هو النبوّة ، والحكمة هي الوصاية ، والملك العظيم هو الإمامة . وقد ورد في التوراة أيضا أنّ إبليس عليه اللعنة يسمّى حكيما ، وحيّة الوادي تسمّى حكيم الوادي ، والفلاسفة سمّوا أنفسهم حكماء ؛ والحكمة عندهم معرفة حقائق الموجودات بالعقل ؛ فاسم الحكيم صار إذا مشتركا ، لكنّه إذا أطلق اسما من أسماء اللّه تعالى كان بمعنى الإحكام ، كالبديع بمعنى المبدع ، والكريم بمعنى المكرم ؛ ومن الناس من يجري جميع أسماء اللّه تعالى على هذا المنهاج ، ويطلق الحكمة بمعنى النبوّة ، وكلّ نبيّ فهو على بيّنة من ربّه ، وبصيرة من أمره ، قد أحكم سرّه عن الارتياب ، وذلك هو الخير الكثير ؛ ويطلق بمعنى الوصاية ، وكلّ وصيّ فهو على بيّنة من نبيّه وبصيرة من أمره ، ويطلق بمعنى الإمامة وكلّ إمام فهو على بيّنة من وصيّه ، وبصيرة من أمره . فالنبيّ يحكم التوحيد للّه بنفي الأنداد ، والوصيّ يحكم بالنبوّة للنبيّ بنفي الأضداد ، والإمام يحكم الوصاية للوصي بنفي أهل العناد ؛ وكذلك كلّ من يثبت الإمامة فهو حكيم العباد في البلاد ، لكن من تصدّى لعلم الحكمة برأيه وصار قوله متناقضا ورأيه فائلا متهافتا وسمّى نفسه حكيما فقد سفه نفسه وسفّه عقله ؛ إذ حكّم عقله وفهمه على عقله ؛ فصار كلّ عاقل على مذهبه حكيما ، وكلّ حكيم حاكما ، فلا محكوم عليه في العالم ، وصار عقله محكوما عليه ؛ فلا حاكم في العالم ؛ فتتناقض الفتوى ويتهافت الرأي ، وكلّ ما قيل في معنى الحكمة فهو مشترك الدلالة ، وكلّ حزب بما لديهم من الحكمة فرحون ، والحقّ أنّ الحكيم من أحكم قوله فلا ينتقض ، وأحكم فعله فلا يتهافت ، وأحكم فكره فلا يتناقض ، وحقّا ما قيل : إنّ الحكمة فهم معاني القرآن ، ولكن ممّن يفهمها وقد اختلفت الأقاويل ؟ ! وحقّا ما قيل : انّ الحكمة معرفة حقائق الموجودات ، ولكن ممّن يعرفها وقد كثرت الأباطيل ؟ ! وأحقّها ما قيل : إنّ الحكمة هي النبوّة ، وفيها الخير الكثير وما يذكّر إلّا أولو الألباب .